بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى اللهُ على سيّدنا ومولانا أبي القاسم مُحمّد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين، بهم نتولى، ومِن أعدائهم نتبرأ إلى الله إلى يوم القيامة. الضيوف الكرام، سفراء ورؤساء بعثات الدول الأجنبية المعتمدين لدى طهران، أصحاب السماحة من العلماء ورجال الدين وأساتذة الجامعات، الباحثون وأهل الثقافة والإعلام، وجميع المهتمين بتاريخ عاشوراء وثقافتها وتراثها الفريد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نجتمع اليوم في افتتاح فعالية لا يقتصر موضوعها على عرض مجموعة من الوثائق الإدارية والمراسلات التاريخية فحسب، بل تمثل جزءاً من الذاكرة الحية لأمة، فهي ذاكرة ارتبطت باسم الإمام الحسين عليه السلام، وواقعة كربلاء، وثقافة عاشوراء، وشعائر شهر محرم. إن نهضة أبي عبد الله الحسين عليه السلام في تاريخ البشرية تتجاوز كونها حادثة تاريخية أو دينية؛ فهي مدرسة للحياة، وميثاق لا يزول يؤكد أصالة العدالة وطلب الحق، ووثيقة تأسيسية للمقاومة في مواجهة الظلم والانحراف والفساد، والدفاع عن كرامة الإنسان. لقد أصبحت هذه النهضة لغة عالمية للعدالة، واختارها الشعب الإيراني عبر القرون محوراً للحياة المؤمنة في مختلف مجالات حياته الفردية والاجتماعية والوطنية، كما جعل منها لغة بليغة للمطالبة بالحق ومناهضة الهيمنة في الساحة الدولية. وتُعد هذه الفعالية الوثائقية فرصة ثمينة للتجول في الذاكرة الجمعية للإيرانيين، وإعادة قراءة الوشائج التاريخية العريقة بين هذه الأرض والعالم من نافذة محرم وعاشوراء والشعائر المرتبطة بهما. فكل وثيقة شاهد على تفاعل، وكل صفحة تروي جانباً من الارتباط التاريخي العميق للإيرانيين بهذه النهضة. إن دراسة مئات الوثائق غير المنشورة، والتي يُعرض بعضها للمرة الأولى اليوم، تضعنا أمام حقيقة أساسية مفادها أن صيانة المقدسات ونشر ثقافة عاشوراء كانا دائماً جزءاً من الالتزام الوطني والهوية الدبلوماسية للإيرانيين في تفاعلهم مع العالم، حتى في ظل نزعات الابتعاد عن الدين ومحاربته لدى بعض الحكام، ولا سيما خلال الحقبة السوداء لحكم النظام البهلوي العميل. فمن تقارير إقامة مراسم عاشوراء في بطرسبورغ وإسطنبول والقوقاز ومدن الهند، إلى تأسيس التكايا و الحسینیات المشتركة في بادكوبة ومدرسة الشرف في بغداد، تتجلى حقيقة أن إيران كانت دائماً مركز ثقل حضارياً لنشر القيم الإنسانية والروحية المستندة إلى هذا التراث العاشورائي الحي. وفي الطبقات الأعمق من هذه الوثائق تتجلى نزعة العزة الحضارية لإيران في مواجهة نظام الهيمنة والقوى الاستعمارية. فالدبلوماسية الإيرانية التي تعكسها هذه الوثائق ليست دبلوماسية انتهازية جامدة، بل هي دبلوماسية ذات النزعة الإنسانية توظف كل فرصة للارتقاء بالقيم الإنسانية. وبعبارة أخرى، فإن هذه الوثائق تقرب التاريخ من مستوى القرارات الرسمية إلى مستوى التجربة الإنسانية. وفي هذه المجموعات لا يُسجل محرم وعاشوراء بوصفهما مجرد شعائر دينية، بل يظهر حضورهما في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والعلاقات بين الشعوب: من تأمين أمن الزائرين ومعالجة صعوبات تتعلق بإقامتهم وتنقلهم، إلى متابعة شؤونهم الصحية والعلاجية وحتى إعادة الزائرين المعوزين إلى أوطانهم؛ ومن دعم إقامة مجالس العزاء للإيرانيين المقيمين في الخارج، إلى السعي لرفع القيود المتعلقة باللغة الفارسية والشعائر الدينية؛ ومن ترميم القباب والصحون والسقاخانات، إلى إهداء السجاد والثريات والأعمال الفنية إلى العتبات المقدسة. وتُظهر هذه الوثائق بوضوح أن ثقافة عاشوراء تشكلت في سياق اجتماعي، وكانت دائماً مجالاً للحوار بين التقاليد الشعبية، والرؤى الفقهية، والضرورات الاجتماعية، والمسؤوليات العامة. وإن دراسة هذه الوثائق لا تقدم صورة مبسطة أو أحادية، بل تكشف تعددية هذه الثقافة وحيويتها. ومن هذا المنطلق، فإن عاشوراء هي في آن واحد تراث إيمان وتراث أخلاق؛ هي تذكير بالمظلومية ودعوة إلى المسؤولية؛ هي حزن ووعي معاً. إن رسالة الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء لا تنحصر في حدود جغرافية، بل هي لغة كرامة الإنسان، ومواجهة الإذلال، ورفض اللامبالاة، والثبات في وجه الظلم. ولهذا استطاعت ثقافة عاشوراء أن تهيئ أرضية للحوار والتعاطف بين مختلف الشعوب والثقافات. إن القراءة الدقيقة لمجموعة هذه الوثائق والصور والشعائر تبين أن عاشوراء تجاوزت بالفعل حدود الحدث التاريخي لتتحول إلى ظاهرة حضارية غنية بالمفاهيم السامية. فهي الصلة بين الأمس واليوم، والبوصلة الدائمة لهذه الأمة في مواجهة کثیر من التحديات في الماضي والحاضر والمستقبل. الإخوة والأخوات الكرام، [إن محرم وعاشوراء هذا العام في إيران يحملان لوناً وطعماً مختلفين. فقد تعرضت إيران العريقة لعدوان غادر وظالم شنّه نظامان متغطرسان خارجان على القانون ومعاديان للحق، هما الولايات المتحدة والكيان الصهیوني، وقدمت في سبيل حرية الوطن وكرامته وثبات كلمة الله قوافل من الشهداء. لقد شاهد الشعب الإيراني الحسيني بأم عينه دماء سيد شهداء الثورة الإسلامية وأبنائه الأطهار تسيل، من مدرسة الشجرة الطيبة في ميناب، إلى المدمرة «دنا»، إلى أبناء لامرد وجنود إيران الأبطال، لكنه وقف بشجاعة وثبات دفاعاً عن عزته واستقلاله، ليبرهن أنه عاش رسالة عاشوراء بكل خلية من خلاياه. وعبر التاريخ واجهت أمم كثيرة لحظات مصيرية، ووجدت نفسها أمام مفترقات حاسمة خضعت فيها شخصيتها للاختبار والحكم، من الفقر والحصار إلى الحرب المفروضة والعدوان. وفي تلك اللحظات كان على الشعوب المظلومة أن تجيب عن سؤال جوهري: هل تستسلم وتعيش تحت نير الظلم، أم تقف حتى آخر رمق دفاعاً عن قيمها ومبادئها؟ الإخوة والأخوات الكرام، إن حب الوطن الحقيقي ليس ولاءً أعمى للأرض، بل ولاء للقيم التي تمنح تلك الأرض معناها: الحرية، والعدالة، وكرامة الإنسان، وضمان أن تعيش الأجيال القادمة مستقلة على أرضها وقادرة على تقرير مصيرها. وتذكرنا الشواهد التأريخیة المختلفة، وفي مقدمتها عاشوراء، بأن الشجاعة لا تُقاس بالانتصار، بل بالاستعداد للتضحية والفداء النهائي في سبيل المبدأ. فالعظماء الذين أصبحوا قدوة للأجيال لم يكونوا طلاب هيمنة وسيطرة، بل كانوا أولئك الذين ثبتوا في الدفاع عن شعوبهم ومبادئهم، مؤمنين بأن الحق يجب أن ينتصر على القوة. وهكذا ترك لنا سيدنا ومولانا الإمام الحسين عليه السلام هذا الإرث الخالد: أن الموت بعزة أشرف من الحياة بذل، وهذا هو منطق المقاومة الدائم. لقد علمنا أن الحرية تتطلب التضحية، وأن الاستعداد للتضحية القصوى من أهم عوامل نجاة الأمم وانتصارها في مواجهة طغاة التاريخ ووحوشه. وقد أثبت التاريخ مراراً أن الشعوب عندما تتخلى عن التضحية والصمود والسعي للحفاظ على استقلالها، فإنها تخسر أكثر من أرضها؛ إذ تصبح مهددة بفقدان هويتها الجماعية وإرادتها الوطنية وقدرتها على صناعة مستقبلها. واستعادة العزة بعد الاستسلام ليست مستحيلة فحسب، بل شديدة الصعوبة. وانطلاقاً من هذا الفهم العقائدي والاستراتيجي، تقف إيران ثابتة على عهد المقاومة رغم كل الضغوط، وستبقى كذلك بإذن الله. إن إيران اليوم هي إيران الواقفة في مواجهة عاصفة الظلم وانعدام المروءة. ونحن ثابتون على العهد الذي قطعناه مع سيد شهداء زماننا، القائد العظيم آية الله العظمى الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي، ولن نسمح بأن تُنسى هذه الدماء الزكية التي سُفكت ظلماً أو يُتغاضى عنها. لن ننسى ولن نسامح، وستظل هذه الدماء تغلي لتزيد شجرة العدالة والحق رسوخاً يوماً بعد يوم. منذ أكثر من ألفٍ وأربعمائة عام، تجاوزت «نهضة الثأر للإمام الحسين (ع)» حدود الانفعال العاطفي المجرد، لتغدو حركةً اجتماعيةً وتياراً سياسياً متدفقاً، وبحراً هادراً لا ينقطع مدّه ولا يفتر زخمه، ينقل إلى أقاصي العالم نداء كربلاء بالحق والعدالة، ورسالة عاشوراء في مناهضة الظلم والاستبداد. وحين صدح الحسين قائلاً: «مثلي لا يبايع مثله»، تم تأسیس نهضة تجددت بعد أكثر من أربعة عشر قرناً في كلمات حسين العصر، فأثبتت مرة أخرى أن الدم ينتصر على السيف. إنّ مثل هذه الرؤية وهذا النهج القائم على تحويل الثأر الحسيني إلى نهضة، هو الذي حوّل عاشوراء إلى مدرسةٍ لبناء الإنسان والسموّ به، وإلى التزامٍ دائمٍ بمواجهة جذور الهیمنة والظلم وأسبابهما ومقوّماتهما وبيئاتهما الحاضنة. وفي الختام، أتقدم بالشكر إلى جميع الباحثين وخبراء وزارة الخارجية والمتخصصين في الوثائق وكل الزملاء الذين أسهموا في جمع هذه الوثائق وإقامة هذا المعرض. وبإحياء ذكرى أبي عبد الله الحسين عليه السلام وشهداء كربلاء، وذكرى سيد شهداء الثورة الإسلامية وشهداء الحربين الأخيرتين، أعلن افتتاح هذا المعرض. وإنني على يقين بأن معرض وندوة «محرم وعاشوراء في وثائق وزارة الخارجية» سيفتحان نافذة أوسع للتعرف بصورة أعمق على ارتباط الإيرانيين بنهضة عاشوراء، وسيكشفان جانباً من جهودهم في صون القيم الإسلامية وكرامة الإنسان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.